الواحة

نجوم فى السما

لم تعد النجومية والشهرة حكراً على نجوم الفن والرياضة والأدب بل مع ظهور الإنترنت والذى أتاح لنا استخدام الوسائل الإلكترونية الحديثة من فيس بوك ويوتيوب وتويتر وإنستجرام ومواقع إلكترونية عديدة ، ومنها يستطيع أى إنسان عادى أو ما يطلق عليهم "العالم الأفتراضى"  أن يكون نجم له متابعين سواء صور أو فيديوهات ووصل الأمر أن يكون لك قناة خاصة عبر الأنترنت يتابعها الكثير والكثير ، وأصبحت هذه الوسائل باب مفتوح لإكتشاف مواهب كثيرة فى مجالات مختلفة ، هذا بالإضافة إلى أنها تسلط الضوء على ما يطلق عليهم "نجوم الواقع " وأصبح صورهم وحكايتهم يجرى وراءها الناس فى كل الوسائل الإعلامية لأنها تمس عندنا الجانب الإنسانى والعاطفى ، بل ساعدت هذه الوسائل عشاق نجوم الفن والرياضة من الأقتراب من النجم المفضل أكثر وأكثر والتحدث معه والتعليق على الصور والفيديوهات التى يحرص عليها أغلب نجوم هذا العصر ،  فلم نعد نحتاج  لقراءة سيرة الفنان الذاتية لمعرفة معلومات عن حياته الشخصية ولم نعد مضطرين إلى متابعة لقاء تلفزيوني مكرر ، ولكن أصبحنا نرى النجم فى بيته وفى الأماكن التى يتردد عليها أى يُشرك معجبينه  في تفاصيل الحياة اليومية التى يضيع فيها الحد الفاصل بين الخصوصية وما تحت الأضواء ويجد لهذا شغف وصدى للمتابعين يصل إلى حد “الإدمان”.
وهذا يختلف جملةً وتفصيلاً عما كان يحدث فى الماضى قبل اختراع هذه الوسائل فقد عشت زمن أن أقصى الأمانى أن تتابع أخبار نجمك المفضل عن طريق الجرائد والمجلات فقط وليس فى الإمكان رؤيته إلا عن طريق الصدفة ، فقد كانوا يمثلون نجوماً فى السما .. أتذكر وأنا فى بدايات العشرينات حينما كان يشجعنى والدى على القرأة وفى أحد المرات كنا نسير سوياً بشارع النيل بالعجوزة لفت نظرى أن هذه العمارة يقطن فيها الكاتب الكبير نجيب محفوظ  ولا أدرى لماذا تأخر والدى فى اخبارى برغم مرورنا دواماً من جوارها .. من الجائز أنه رأى اهتمامى وشغفى بشراء كتب لأشهر كتابنا وخاصةً "الروايات "منها والتى تحول أغلبها إلى أفلام شهيرة ... وظل مجرد رؤيتى لهذه العمارة ما يبعث فى نفسى السعادة  ،  أدوام النظر عند مرورى من أمام عمارته أملاً فى أن أراه فى يوماً ما إلى أن عَملت فى أحد الفنادق والتى يتطلب منى أن أصل إلى عملى قبل السابعة صباحاً وفى طريقى شاهدت كتابنا العملاق متكأ على عصاه مترجلاً فى خلوة روحية لا يلتفت يميناً أو يساراً يستنشق الهواء العليل فى الصباح الباكر والشارع يخلو من المارة إلا من بعض المركبات القليلة  متجهاً لشراء الصحف الصباحية من كشك يبعد عن منزله قليلاً ... وطللت برأسى من خارج أتوبيس العمل أملاً فى أن يبتسم أو يلتفت دون جدوى ، واستمرت رؤيتى شبه اليومية بكاتبى المفضل صاحب جائزة نوبل والذى تسلمتها ابنتيه رفضاَ منه أن يغادر تراب الوطن إلا أن أصيب بطعنة غادره فى رقبته ممن يعتنقون الفكر الظلامى وتكفير المجتمع  وحرمته من عادته التى أستمر عليها لسنوات عديدة بالتمشية الصباحية وشراء الجرائد اليومية والذهاب بها عابراً النيل  لمقابلة اصدقاءه على مقهى فى وسط البلد  ..............
وتظل أضواء نجوم السينما لها لون وطعم أخر وبالذات فى مرحلة الشباب والتى ترتبط  فيها الصورة الذهنية لفارس أو فتاة الأحلام بصورة نجم أو نجمة معينة وعلى حسب نوعية واختيارات أعمال النجم تستطيع أن تفهم من هم شريحة معجبينه ، وحكت لى أحدى صديقاتى أن الفنان الراحل أحمد زكى الذي قال النقاد لولا حاجز اللغة لأصبح أحد نجوم العالم إنها كانت واحدة من معجبينه ورأته وهو يصور أحد أفلامه فى أحد الفنادق لعدة أيام وتمنت لو امتلكت شجاعة أن تسلم عليه وتلتقط صورة للذكرى مع أيقونة الفن ولكن خجلها منعها من فعل ذلك ..... وعكس مع حدث مع أحمد زكى حدث عكسه تماماً  مع صديقة أخرى حينما رأت صاحبة أجمل عيون على الشاشة الراحلة زبيدة ثروت واحدة ممن يمثلون العصر الذهبى للسينما وزمن أصبحنا لا نراه فى حياتنا اليومية من حوار راقى لبيوت تاخد العقل وشوارع نظيفة  ملابس أكثر من رائعة وكانت أفلامهم برغم أنها أبيض وأسود وقد حفظنا حوارها عن ظهر قلب لتكرارها عشرات المرات  ولكن لا نمل يوماً من مشاهدتها ... هذه الفنانة الرقيقة قد حالف الحظ صديقتى أن تراهاعند دخولها أحد المستشفيات واقفة بفستان أنيق وبجوارها طبيب شاب يعطيها أخر التعليمات الطبية وبصوتها المميز الذى لا تخطئه أذن أقتربت منهم أكثر وإذ بالطبيب يبتسم لها مؤكداً أنها زبيدة ثروت وكانت مفاجئة سارة وغير متوقعة ، وبسعادة غامرة قالت لها "أنا من أشد المعجبين"  ، وفى لحظة عابرة لا تكرر إلا قليلاً أقتربت من زمن الفن الجميل الذى تمنى الكثير أن يعيش  فيه...... وبرغم من أن  خطوط الزمن قد غيرت ملامحها إلا أن يتبقى أنها واحدة كان جيلى أقصى أمانيه أن يراها وجهاً لوجه حتى وأن لم يحالفه الحظ أن يسلم عليه  ..................
أما نجوم كرة القدم فقد كان لهم دائماً النصيب الأكبر من الشهرة ومتابعة الشباب بل أصبح حلم كل طفل أن يصبح لاعب مشهور مثل نجمه المفضل وأصبحنا نشاهد صور وفيديوهات اللاعب عن طريق حسابه عبر السوشيال ميديا من إنستجرام وتويتر وفيس بوك  وعن طريقها يزداد عدد المتابعين والمتعلقين باللاعب عكس نجوم من عشرات السنين فنجد نجم نجوم اللعبة المستديرة محمود الخطيب كان أقصى تعبير عن أعجاب معجبينه أن يعلقوا صوره في غرفهم أو يذهبوا لمشاهدة لعبه أو ينتظروه وهو خارج من النادى ليلتقطوا صوره معه أو يسلموا عليه ،  وعشاقه ليسوا جمهور ناديه فقط بل عشاق الكرة في كل مكان وأصبح يمثل أيقونه يحاول كل لاعب أن يحتذى به وبرغم أعتزال الخطيب منذ سنوات طويله ولكنه ظل من النجوم القلائل الذى له مكانه خاصة وحينما يذكرنجوم الكرة في مصر تجد أسم الخطيب يحجز المكانة الأولى دائماً ...................
ولكن توجد نجومية من نوع أخر وهى "نجوم الواقع" وهم فى كل زمان ومكان ولكن مع تطور وتتعدد الوسائل الإعلامية أصبحوا نجوم وحديث المجتمع فى كل مكان وشهرتهم ذائعة الصيت مع ظهور المواقع الإلكترونية والسوشيال ميديا فنجد أن صورة أو فيديو ما قد حقق نسبة مشاهدة خلال ساعات قليلة بالملايين وهى صور ليست لنجوم معروفة ولكن لأفراد عادية من شرائح المجتمع ... مثل ما حدث مع صورة الطفل السورى إيلان وهو ملقى غريقاً كجثة هامدة على أحد شواطىء تركيا عام 2015 وأصبحت صورته فى دقائق معدودة  تتصدر جميع الصحف والمواقع العالمية والمحلية لتكون تعبيراً ورمزاً عالمياً لأزمة المهاجرين السوريين ، على جانب أخر تستطيع  صوره أن تلمس الجوانب الإنسانية والعاطفية وتترك أثر كبيراً فى النفس ، وقد شاهدت من فترة قريبة فى أحد المواقع الإلكترونية صورلطفل لا يتعدى 12 عاماً وهو ممسك بكتاب وفى صورة أخرى وهو يؤذن فى مسجد القرية وصورة أخيرة والتى كانت أكثر تأثيراً وهو يعمل كعامل محارة وصاحب تلك الصور حكايته فى سطور قليلة والتى قال فيها أنه أضطر للعمل بعد أن توفيت والدته تاركه شقيقته الرضيعه وشقيق يبلغ عامين وعقب وفاتها أصيب الأب الذى يعمل باليومية فى حادث على الطريق إصابة أقعدته عن العمل ولم يتبقى من الأسرة غير الطفل البطل والذى يُقسم يومه من الصباح الباكر يذهب إلى مدرسته والذى أصر على عدم تركها برغم رسوبه لعدم توافر الوقت للمذاكرة وإعادته للصف الخامس الإبتدائى مرة أخرى بعد يوم شاق من العمل أملاً فى مستقبل أفضل ، وبعد انتهاء اليوم الدراسى ، ويجرى مسرعاً على الفور للعمل باليوميه بـ  15، 25وأحياناً 35 جنيهاً يعطيها لجدته لطهو الطعام لأسرته.....  أنه نجم وبطل ليس على الشاشة ولكن على أرض الواقع ... أثرت صوره فيمن قرأ قصته ووجد إصراره على النجاح برغم الصعوبات التى تواجهه وكيف أننا نعيش حياة يتخللها مشاكل ولكن أكيد هى أهون بكثير ولكن لا نستطيع  أن نواجهها !!!!!!  
الهام المليجى

جميع الحقوق محفوظة 2014 © المقاولون العرب | تصميم مركز معلومات الإدارة العليا

المتواجدون الأن 64 / 29