الواحة

سيارة حمراء

من منا لم تكن له هواية خاصة به ... بعضها تستمر معنا حتى الكبر وأحياناً تأخذ شكل الإحتراف والبعض الأخر تتوقف عند مراحل أخرى من العمر ، ومن الهوايات التى كانت تجمعنا فى الصغر " الرسم ، جمع الطوابع ، النحت ، الرياضة  ، .........
وكان "صلاح" أحد هؤلاء الأشخاص الذى سيطرت الهواية على تفكيره إلى حد أن حياته تدور في فلك الهواية ، شهرته "صلاح عربية"  لأنه دأب من صغره على ركوب سيارات الأقارب والجيران وكان لا يتنازل إلا أن يجلس مع سواق العربة ممسكاً بيديه الصغيره .. يسأل ويستفسر عن كل شيء بداخلها ... وكبر وازاداد حبه لعالم السيارات وقراءة كل ما يخص هذا المجال من موديلات وماركات ، لمتابعة الجديد في تكنولوجيا السيارات ، ومن هى الشركة الأولى هذا العام التى حققت أعلى مبيعات في العالم  ؟ ويستطيع صلاح أن يكتب كُتب ومقالات نتيجة خبراته المتراكمة عبر سنوات إلى أن أصبح مصدر موثوق فيه لأقاربه وجيرانه وأصدقائه عند رغبتهم فى  شراء سيارة لينصحهم بأفضل ماركة في حدود امكانيتهم المادية المتاحة... بل كان يعلمهم فن القيادة وعلى السائق أن تكون علاقته بسيارته هات وخد ... يعنى يحس بيها ويفهمها وهى لن تخذله فى يوم من الأيام ... لم يتأخر عن من يلجأ إليه طالباً استشارته فى مشكلة ما بسيارته ينهض مسرعأ ليفحص السيارة ويشخص حالتها بدقة واحتياجها إلى تغيير كذا أو العيب فى كذا .... ولما لا ؟! فعالم السيارات هو حبه وغرامه الذى قارب  أن يصيبه بلطشه فى عقله !!!!! .... صلاح الذى لم يمتلك سيارة نتيجة ضيق اليد بعد أن استنزف كل مدخراته في الزواج اولاً نتيجة ظروف اجتماعية لا داعى لذكرها في هذا المجال ................
أستيقظ صلاح ذات يوم على خبر إرتفاع آسعار السيارات بجريدته اليومية فأرتسمت علامات الدهشة والحزن وتسمرت عيناه محملقاً ... وأخذ  يهبد ويرزع بيديه ورجليه متحسراً على حظه السىء الذى سيجبره على تأخر حلمه بضعة شهورا أخرى ...  فكلما يدخر ثمن السيارة الذى ينام ويستيقظ على آمل اقتناءها ومع الحرص لحد البخل على نفسه حتى في أبسط الأشياء في سبيل تحقيق حلم الطفولة والصبا  يفاجىء بأمور تأرجحه ما بين القرب والبعد من شراءها  .........
وذهب صلاح متوجهاً إلى عمله حزيناً مهموماً فدخل عليه أحد زملاءه ولمحه متجهم الوجه فاقترب منه ظناً في وجود ما يثقل قلبه وبعد الحاح عرف سبب حزنه .. فقال له : تاهت ولقيناها ، فيه جمعية لسه هتبدأ الشهر القادم وأنا أقدر بعلاقتى تقبضها بعد شهر كويس كده !!! هنا قفز صلاح من على كرسيه مهللاً محتضناً زميله شكراً وعرفاناً لوقوفه بجانبه ... ومرت الأيام سريعة ولكن ثقيلة على صلاح الذى دام على رؤية السيارة المنشودة والتى وقع عليها اختياره من أول نظره في معرض السيارات يومياً يطمئن على وجودها وينتظر دقائق من على بعد يتأملها وكأنه يسلم عليها ....
وقد حانت أخيراً اللحظة المنتظرة لإقتناء صلاح سيارته الحمراء والذى أصر أن تكون أول سيارة يشتريها جديدة على الزيرو لم يلمسها أحداَ ... وكاد قلبه يتوقف وهو يتحسس كل جزء فيها ليتأكد أن كل حاجة تمام التمام وأنطلق صلاح بسيارته مزهواً وهو مشدود الظهر ممسكاً بعجلة القيادة يلفها برشاقة وخفة يميناً ويسارأ متكىء بذراعه على الشباك بكبرياء وشموخ ثم اتجهه مباشرة  لشراء غطاء قد حدد لونه سابقاً وأخذ يلف ويدور في الشوارع سعيداً بقيادته للسيارة التى كان يحلم بها ... ووصل لبيته وركنها بحرص وحرفية عالية وأخرج الغطاء وقبلها تأكد من إغلاق جميع أبوابها برغم معرفته بإغلاقها من بابه الرئيسى ... وصعد سلالم بيته منادياً زوجته وحاملاً طفليه إلى الشباك قائلا: شايفين العربية المتغطية اللى تحت البيت فردت الزوجة متعجبة !! انت لحقت اشتريت ليها غطاء فرد :  وانتى عايزه يفوت عليها يوم من غيرغطاء انتى مجنونة ؟!
وكانت أول نزهة بالسيارة لعائلة صلاح كانت زوجته بجواره وطفليه يتضحكان ويقفزان بأرجلهم الصغيرة على كنبة الصالون سعيدين فرحين ... وإذ بشرارة الغضب تقفز على وجه صلاح محذرأ طفليه بعدم عمل دربكة داخل السيارة وعلينا احترامها والجلوس بهدوء وممنوع منعاً باتاً الأكل أو الشرب بداخلها و..... و......  وإلا ستحرموا من ركوب السيارة وقد كانت هذه هى القواعد والتعليمات التى وضعها صلاح لأسرته .... حتي انه من شدة حرصه وخوفه الزائد عليها كان يمكث بالساعة حين يذهب الي اي مشوار للبحث عن مكان للركنة يكون صف اول ....
وفي أحد الأيام عند عودته فى مشهد معتاد أن يفعله صلاح أن يغلق باب السيارة ممسكاً جميع الأبواب للتأكد من غلقها والدوران حولها اكثر من مرة لملاحظة سلامة جميع الجوانب ... وطال النظر واقترب أكثر وكاد أن يقع من طوله فاقداً الوعى عند رؤيته لخدش رفيع بعرض أحد الأبواب ولم يهدأ له بال إلا بعد إصلاحه  .
أعتاد جيران صلاح أن يشاهدوه أسبوعيا حاملاً جردل المياه وأدوات التنظيف من الدور الرابع ليغسل السيارة بنفسه من الداخل ومن الخارج ورش الصالون بالمعطر الخاص بها .......  أخذت السيارة الكثير والكثير من وقته و تفكيره ، وأعطاها دائماً أهمية كبري لتكون فى المقدمة حتي وإن تعارضت مع الإحتياجات الضرورة سواء له أو أسرته.
ومرت سنوات وسنوات ولم يجرأ أولاد صلاح وزوجته طلب قيادة السيارة ولو مرة واحدة ، لأنهم يعلموا أن طلبهم مرفوض مقدمأ  ... ولم يدرك صلاح  خلال رحلته الطويلة علامات السنيين التى رسمت بخطوط واضحة على سيارته ، وأنها أصبحت خارج الخدمة وصارت من التراث التى تُدعوا للرثاء والعجب إنها لا زالت تجوب الشوارع ، ولكنه ظل محافظاً ومتمسكاً بها على الرغم من وهن جسده وضعف يديه التى جعلته غير قادر على قيادتها ........ ولكن لا زالت هى الحب والعشق الأول والأخير والذى ظل على وعده معها بعد أن تخطى سن المعاش بسنوات أشاهده يومياً وهو خارج من عمارته متجهاً لسيارته الحمراء رافعاً غطاءها ليتنفسا الهواء العليل معاً ويجلس بداخلها لدقائق ثم يغلقها جيداً ويلف حول جوانبها ثم يذهب لحاله ..........................
الهام المليجى   

جميع الحقوق محفوظة 2014 © المقاولون العرب | تصميم مركز معلومات الإدارة العليا

المتواجدون الأن 754 / 12