الواحة

هزمتني نملة

أن تخاف من أسد حين تراه يزأر من خلف القضبان بحديقة الحيوان فهذا أمر طبيعي، أن تشاهد ثعبان من بعيد عبر صندوق زجاجي في بيت الزواحف وتقرأ على لوحة مكتوب بجواره "أفعى ذات سم فتاك" وتشعر بقشعريرة من تلك الجملة تسري في جلدك بسبب ارتفاع نسبة الأدرينالين في الدم المرتبط برؤيتك هذه الأفعي تتلوي بجوار تلك اللوحة فهذا أيضاً رد فعل طبيعي.
فمن الطبيعي أن يخاف الإنسان من كل شئ يمثل على حياته خطورة داهمة،وقس على ذلك كافة أنواع الحيوانات المفترسة التي لم نجرب أكثر من أن نشاهدها عن بعد عبر التلفزيون مثلاً أو محبوسة خلف أسوار أو أقفاص أو حتى صناديق محكمة الإغلاق.
كل ذلك قد يكون منطقياً وبديهي ولا شئ فيه ولكن ماذا لو أصبت بالرعب من نملة؟
أجل نملة،هل تخيلت نفسك مثلاً في لحظة من اللحظات محمولاً على ظهر سرب من النمل وأنت نائم وهم يتجهون بك إلى مخبأهم ليخزنوك فيه ثم يأكلوك في فصل البيات الشتوي لهم،هل تخيلت نفسك وقد أوثقوك بحبالهم وكمموا فمك وترى وتشاهد نفسك وأنت مخطوف من قبل سرب لا بداية ولا نهاية له من النمل يسير في نظام صارم ومصر على أن يخطتفك من منزلك معلناً تأجيل إعدامك حتى الشتاء؟
هذا ليس حلماً ولكنه قد يكون توقع أصبح بالنسبة لي محتمل الوقوع لما يمكن أن يحدث لي في أي لحظة من اللحظات،فمنزلي لا يسكنه البشر فقط،فمثلما تتألف الكرة الأرضية من نسبة كبيرة من المحيطات والأنهار ونسبة أخرى من اليابسة،كذلك منزلي يتألف سكانه من نسبة كبيرة من النمل ونسبة أخرى قليلة من البشر، وكأنه أصبح مستعمرة قومية لقوم النمل،وكدت أشك أن النملة التي قالت حين رأت جيوش سيدنا سليمان قادمة نحوهم ( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ? {النمل: 18} قد أوصت قبل أن يقضى نحبها بأن تكون مساكن النمل مقرها منزلي.
هذه مشكلة حقيقية بالتأكيد قد تقابل الكثير منا حين يجد احتلالاً من جيوش النمل لمنزله أو شقته ولا يعرف كيف يتخلص من ذلك،أنا نفسي جربت معهم كافة أنواع المبيدات الحشرية ولكنها لا تعدو إلا أن تقوم مقام المانع اللحظي البسيط ثم تعود ريمه لعادتها القديمة وربما ينتقم منك النمل بعدها بهجوم أشد ضراوة وبأعداد مضاعفة،بل وأصبحوا وكأنهم يضعون أقنعة كيماوية واقية من المبيدات يستخدمونها حين أهاجمهم بها فاضطررت أن ألجأ مرة أخرى لمحلات المبيدات الحشرية أسئلهم المساعدة فنصحوني بالعجينة العجيبة مثل تلك التي تستخدم لإبادة الصراصير ولكن النمل لم يتعجب منها وسار في مساراته وكأنه لا يراها.
أخيراً قررت البحث على الإنترنت عن طرق للتخلص من النمل ووجدت 10 طرق لذلك هىالخل، الزيوت العطرية،التوابل،الكحول،الطباشير،عجينة البوريكس،عجينة الصودا،الماء والصابون،قشر الخيار والسمسم وكلها في كومة والسمسم في كومة أخرى فقد ذكر النت أن السمسم يعطل حاسة الشم عند النمل وبالتالي يعتبر مصدر خطر يؤخره عن استكشاف غذاءه وبالتالي يهرب من هذا المكان ولكن عجب العجاب أن النمل حين رأي السمسم نقله لمخبأه واختفت كومة السمسم خلال ساعات،وكافة أنواع المكافحة العشرة لم تفلح كالعادة مع النمل،أي نمل هذا وما هو سر تحديه الكامل لي ولوجود بشر في المنزل؟!! لم يعد أمامي إلا أن أسأل شيوخ متخصصين بعد أن أوعز لي أحدهم بأن هذه قد تكون عيناً حاسدة تسببت في ظاهرة الهجوم المتعمدة وكدت أعتقد الآن أن هذا النمل ماهو إلا جن يريد أن ينغص علي حياتي وربما لن يطرده من المنزل إلا جلسة زار أو إحضار شيخ يحضر أرواحهم ويسألهم ماذا يطلبون ليغادورا منزلي.
العشرة طرق التي ذكرتها قد يكون بعضها غير فعال وقد تكون كلها ليست بتلك الفاعلية التي تتحدث عن إبادة النمل من المنزل خاصة وأني اكتشفت أن هناك شركات انشأت وأسست من أجل مكافحة النمل بصفة خاصة وأصبحت تكسب لقمة عيش العاملين فيها من ذلك ولو كانت الطرق السابقة تقضي على النمل بكفاءة لأفلست تلك الشركات وشحتت على باب السيدة أو باب سيدنا الحسين وانهارت منذ زمن بعيد.
ممتاز أن يخلق الله النمل من أجل أن يفتح مصدر رزق لبشر آخرين ولكن ما ذنبي أنا في أن أجد نفسي محاصر بأسراب النمل في كل مكان بالمنزل وكيف يكون شعورك حين تلدغك نملة لا تكاد تري بالعين المجردة تجعلك تشعر بالألم وتتلوى وتجعل جلدك يلتهب ويتورم وكأن أفعى قد لدغتك.
الآن أنا أعترف أن النملة على صغر حجمها تستطيع أن تهزمني،بل هى فعلاً هزمتني وتحولت إلى عملاق كبير وربما السر الذي اكتشفته ولا يلتفت إليه الكثير ونريد أن نتعلمه من حكاية النمل هو الإتحاد،فالنمل مخلوقات حالها حال النحل لديهم ثلاث صفات مشتركة هى الإتحاد والتعاون والنظام،فإن اتحد قوم بيد واحدة مهما كانت ضآلة أحجامهم سيكونون أقوى مهما كانت أجسامهم ضعيفة فما بالك لو غلف هذا الإتحاد بسمة التعاون والعمل بنظام متكامل؟ بالتأكيد سيكون تأثيرهم قوي وكبير مثلما يفعلون بي الآن ورُب ضرة نافعة،فقد تعلمت من هذه المحنة أن الإتحاد والتعاون والنظام قوة لا يضاهيها قوة ولعل هذا ماجعل نملة تهزمني بلا رحمة.
وفقي فكري

جميع الحقوق محفوظة 2014 © المقاولون العرب | تصميم مركز معلومات الإدارة العليا

المتواجدون الأن 127 / 18