الواحة

"سيدة الطيران البهلواني" ذبابة تحمل بين طياتها الداء والدواء

مازال حديثنا موصولاً عن الإعجاز العلمي في القرأن الكريم والذي لا ينضب معينه أبدا شأنه كشأن البحر يستخرج منه اللؤلؤ والياقوت والمرجان علي مر السنين وكلما بحثنا وجدنا الكثير, في الحلقة الماضية تحدثنا عن النحلة الراقصة والآن نتحدث عن الذبابة البهلوانية تلك الحشرة الصغيرة والضعيفة التي أودع الله تعالى فيها الكثير من الأسرار والعجائب ،والمعروف عنها قديماً ولدى العامة أنها تحمل الجراثيم والميكروبات فقط، وما كان أحد يتصورأن هذه الحشرة يمكن أن تحمل بين طياتها الدواء والنفع، حتى تطورت وسائل العلم واستطاع العلماء من خلال المجاهر الدقيقة أن يكتشفوا كثيراً من المبيدات للجراثيم في جناح هذه الحشرة، بل وجدوا أنها تحمل أيضاً مضادات حيوية وهذه ظاهرة عجيبة والأعجب من ذلك هو إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قبل ألف وأربعمائة عام عن أبي هريرة أن محمد صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينتزعه (ليطرحه) فإن في إحدى جناحية داء وفي الأخرى شفاء) أخرجه البخاري وابن ماجه وأحمد .
غرائب وعجائب
بعد رحلة من الدراسات الدقيقة والطويلة التي انصبت على الذباب، تفاجئنا البحوث العلمية الحديثة بمعلومات تتطابق مع ما أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وإذا بهم يكتشفون أن الذباب يحمل مئات الملايين من الجراثيم، وفي نفس الوقت يحمل البكتريوفاج التي تقتل هذه الجراثيم وتبيدها، وفي طيات هذه الأجنحة أنواع عديدة من المضادات النافعة والمقاومة للعديد من الأمراض ,وقد بدأت هذه الاكتشافات بعدد من الملاحظات أثناء الحرب العالمية الأولي ، فقد لوحظ على جرحى الجنود أن جراحهم أسرع شفاءاً والتئاماً من الضباط الذين يعاملون بمزيد من العناية والرعاية في المستشفيات؛ واكتشف الأطباء السبب في ذلك وهوتعرض الجنود لوقوع الذباب على جراحاتهم!!! بعدها توالت الأبحاث بإكتشاف مجموعة من العلماء الألمان جراثيم جرام سلبي وجرام إيجابي في الجناح الأيسر للذبابة ، وجراثيم باكتريوفاج في الجناح الآخر لها وهذه المفترسة للجراثيم أو عامل الشفاء صغيرة الحجم يقدر طولها بـ 20- 25 ملي ميكرون فإذا وقعت الذبابة في الطعام أو الشراب وجب أن تغمس فيه كي تخرج تلك الأجسام الضدية فتبيد الجراثيم، وهذه المضادات واسعة الطيف وقوية التأثير وشبيهة بالمضادات الحيوية، والآن هناك عدد كبير من مزارع الذباب في ألمانيا لاستخلاص منها بعض الأدوية التي تستعمل كمضاد للجراثيم والتي أثبتت فعالية كبيرة وهي تباع بأسعار مرتفعة في هناك.
مضادات البكتريا
وأوضح الدكتور معتز المرزوقي طبيب العيون المصري أن حديث الذباب يتضمن معجزتين علميتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أحداهما وجود الميكروب في جانب من الذبابة ووجود المضاد الحيوي (antibiotic) في الجانب الآخر، على اعتبار أن الجناح في اللغة يدل على الميل أو الجانب، ويؤيده قول الله تعالى: ?وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ? [طه: 22].
وأما المعجزة الثانية فهي في كلمة «فليغمسه» لأن الغمس يتضمن الدخول للمنطقة التي بها الفطريات الحاملة للمضادات الحيوية وللميكروبات؛ ولأن عملية الغمس تسمح للسائل أن ينتشر إلى الغشاء بالإنتشار الغشائي حتى ينفجر هذا الغشاء ويخرج السيتوبلازم الذي يحتوي مضادات الميكروبات التي يكفي 2 مللي جرام منها لتطهير ألف لتر من اللبن الملوث بجميع الميكروبات.
تحت المجهر
**الذبابة حشرة ذات أجنحة شفافة، من رتبة ذوات الجناحين ويوجد منها ما يقرب (100) ألف نوع من الذباب حول العالم وكل نوع يحمل بكتريا أو فيروسات ممرضة إلى درجة قاتلة، ومختلفة عن الأخرى و له قدرة عجيبة على التكاثر، ففي خلال فصل واحد، ومن ذبابة واحدة ونسلها ينتج لدينا 25 مليون ذبابة ,كما أن الذبابة الواحدة تضع مابين 100-150 بيضة في المرة الواحدة، وتقوم بوضع البيض من 4 : 5 مرات على مدى حياتها التي تكون 3-4 أسابيع, وكلما إزدادت الحرارة كلما زاد عدد البيض .
**جسم الذبابة يتكون من ثلاث أجزاء وهي رأس وصدر وبطن، ويتكون جدار جسمها من ثلاثة طبقات يغطيه شعر ناعم ،ويكون لون جسمها إما أسود أو رمادي أو بني أوأصفر وهناك الذباب الأزرق والأخضر اللامع ,ويوجد للذبابة زوج من العيون بحجم كبير تغطي أغلب الرأس وتتكون عين الذبابة المنزلية من 6000بنية عينية سداسية يطلق عليها اسم " العوينات "، تأخذ كل من هذه العوينات منحى مختلفاً إلى الأمام أو الخلف، في الوسط ،فوق وعلى جميع الجوانب، يمكن أن ترى الذبابة كل ما حولها من جميع الجهات، بتغير آخر، يمكن أن تشعر بكل شيء في حقل رؤيا زاويته 360 درجة،وتتصل ثمانية أعصاب مستقبلية للضوء بكل واحدة من هذه العوينات، وبهذا يكون مجموع الخلايا الحساسة في العين حوالي 48000 خلية يمكنها أن تعالج 100صورة في الثانية .
**يوجد للذبابة أنبوب ماص متسع من طرفه  يشبه المكنسة الكهربائية تستخدمه في تناول غذائها من خلال فرز إنزيم خاص يقوم بتحليل الغذاء ويحوله إلى سائل حتى يسهل إمتصاصه عن طريق الإنبوب ، وذلك بعكس الإنسان في عملية الهضم.
**أرجل الذبابة المنزلية مغطاة بالشعروتنتهي بوسائد ماصة تمكنها من الإلتصاق بالأسطح الملساء فتراها تسير مقلوبة فوق سقف الحجرة، ويحمل هذا الشعر المنتشر على أرجلها الجراثيم من القاذورات التي تهبط عليها.
**قبل الطيران تقوم الذبابة بمعاينة الأعضاء التي ستستخدمها في الطيران، ثم تأخذ وضعية التأهب للطيران وذلك بتعديل وضع أعضاء التوازن في الجهة الأمامية، وأخيراً تقوم بحساب زاوية الإقلاع معتمدة على اتجاه الريح وسرعة الضوء التي تحددها بواسطة حساسات موجودة على قرون الاستشعار ثم تطير ,إلا أن هذه العمليات مجتمعة لا تستغرق أكثر من 1/100من الثانية، فهذه الذبابة قادرة على زيادة سرعتها حتى تصل إلى 10كم /ساعة , لهذا السبب يطلق على الذبابة "سيدة الطيران البهلواني " كاسم محبب، فيه تسلك أثناء طيرانها مساراً متعرجاً في الهواء بطريقة خارقة، كما يمكنها الإقلاع عمودياً من المكان الذي تقف فيه، وأن تحط بنجاح على أي سطح بغض النظر عن انحداره أو عدم ملائمته ,وتستطيع الذبابة الطيران مدى 3-4كم من نقطة انطلاقها أو أن تسافر مسافة 34كم, ويخفق قلبها 1000مرة / الدقيقة.
مازال هذا التحدي معجزاً
يقول تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌفَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) أي : لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذبابة واحدة ما قدروا على ذلك بل أبلغ من ذلك (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ) عاجزون عن مقاومته والانتصار منه ، لو سلبها شيئا من الذي يقدم لها من قرابين ، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) " سورة الحج - الآية  73 ",وإلى الآن مازال هذا التحدي معجزاً للعلم والعلماء فى كل مكان وزمان فبعد أكثر من ألف سنة من تطور العلم والتكنولوجيا لا أحد يستطيع أن يخلق ذبابة على هوانها وتفاهتها؟ وإذا سلبتك الذبابة حياتك بمرض تنقله إليك فمن يستطيع أن يرد لك تلك الحياة؟ بل إنها لو سلبتك ذرة من النشاء من طعامك فإن عباقرة الكيمياء لو اجتمعوا لا يستطيعون استرداد هذه الذرة من أمعائها لأنها تتحول فوراً إلى سكر بفعل الخمائر الهاضمة فما أضعف عبقري الكيمياء أمام أهون ذبابة وماأجمل وأبدع صنع الله في خلق الذبابة.
عمرو صبري

جميع الحقوق محفوظة 2014 © المقاولون العرب | تصميم مركز معلومات الإدارة العليا

المتواجدون الأن 1199 / 96