خواطر ايمانية

كيف يعالج الرسول الأمور؟

هوى النفس
نستكمل الحديث عن هوى النفس فإذا إنتقلنا بعد ذلك إلى جريمة الزنا 00 نجد أن بعض الناس يريد أن يحلها على أساس أنها حرية شخصية 00 ولقد جاء أعرابى إلى رسول الله صلى الله علية وسلم 00 و قال له يا رسول الله : أنا أريد أن أؤمن و لكنى أحب النساء , فهل تبيح لى الزنا 00 و لم يغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم 00 و لم يأمر بجلده أو رجمه 00 و إنما قال له , و هو المعلم والحكيم : أترضى هذا لأمك ؟00 قال الرجل لا00 قال أترضاه لأختك؟00 قال لا 00 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 00 وكلنا كذلك يأخا العرب 00 وهكذا عرفنا من هذا الحديث حكمة بالغة من حكم تحريم الزنا 00 وهى أن الله سبحانه وتعالى حينما حرم الزنا علينا كان يحمى بذلك أعراضنا00 يحمى أمك وأختك وزوجتك من أن يزنى بها أحد 00وهكذا كان القيد لصالحك و ليس قيداً عليك 00لأنه حرم على المجتمع كله أن يقترب من أمك أو أختك أو زوجتك00 ولك أن تتصور الحال لو أن الله أباح الاعتداء على أعراضك للناس 000كل الناس 00ماذا كان يمكن أن يحدث؟
وهكذا إذا استعرضنا منهج الله فى إفعل ولا تفعل نجد أنه حماية للناس كل الناس00 ولو فكر أى أحد منا تفكيراً سليماً لطالب بهذا المنهج و سعى إليه00 ودعا الله أن ينزله,وأن يشرعه00 لأن فيه الضمان و الأمان لكل الناس00ولكن الذى ينكر منهج الله ويحارب منهج الله 00إنما يريد أن يبيح لنفسه ما يحرمه على غيره 00فهو يريد أن يعتدى على أموال الناس00ولا أحد يعتدى على ماله وهو يريد أن يعتدى على أعراض الناس 00ولا أحد يعتدى على عرضه 00ولذلك فهو لا يريد الحق 00 لأن الحق و العدل هما مساواة بين الجميع00وليس تمييزاً لأحد على أحد بالباطل00 وفى ذلك يقول سبحانه وتعالى: (وَلَوِ اتّبَعَ الْحَقّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السّمَوَاتُ وَالأرْضُ) [سورة: المؤمنون - الأية: 71]
العمل عبادة
على أن البعض يحاول ان يلصق بمنهج انه ترك للدنيا00 فمادامت الحياة هى الآخرة00 ومادامت هذه دنيا أغيار لها نهاية, طالت أم قصرت , فلماذا العمل , و لماذا إجهاد النفس فى شئ سيفنى؟00وفى شئ سيزول و ينتهى؟
نقول لهؤلاء جميعاً الذين يرددون هذا الكلام , وما أكثر من يرددونه : أن العمل عبادة 00 ولو أن الله سبحانه وتعالى كان يريد من المؤمنين به ألا يعملوا لما فرض الزكاة00ولما أوجد الصدقة00ولما وضع فى منهجه تشريعات التوريث فيما يتركه الإنسان بعد وفاته 00ولكن وجوب الزكاة وفضلها 00معناه أنه لابد أن يتحرك كل مؤمن فى الحياة 00حركة تزيد عن حاجته , وإلا فمن أين سيدفع الزكاة00كلما زادت حركته زاد مقدار الزكاة الذى سيدفعه00 وكلما إزدادت حركة حياته أكثر إستطاع أن يتصدق بجزء من ماله00 فزاد ثوابه عند الله , وزادت حسناته 00 وكلما ترك لأولاده شيئاً يعينهم على حياتهم المستقبلية كان ذلك أفضل بشرط أن يكون مالاً حلالاً زكيت عنه 00ولو أن منهج الله حقيقة لا يحث على العمل و التحرك فى الحياة بأقصى طاقة ممكنه , بحيث تزيد حركة حياتك عما تحتاج إليه أنت و أسرتك و أولادك ما فرضت الزكاة , وما وجبت الصدقة00
إذن فكل من يقول إن منهج الله ترك للعمل لأن الدنيا فانية00 نقول إنه ترك للعمل غير الصالح و حث على العمل الصالح00 لأن مهمة الإنسان هى عمارة الأرض0 ورسول الله صلى الله عيه وسلم يقول:( ما أكل أحدكم طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده)00
ويقول صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بيد أحد الصحابة وقد أحس بأنها خشنة الملمس من العمل 00 ( هذه يد لا تمسها النار ) 00 و لو أن منهج الله فعلاً كان يدعو إلى عدم العمل و ترك الدنيا للكافرين00 لكان أول من طبقه هم المسلمون الأوائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم00ولكن هؤلاء رضى الله عنهم جميعاً فهموا المنهج الفهم الصحيح00 ولذلك عملوا وجاهدوا و أنشأوا حضارة من أعرق الحضارات 00 التى أخذت الدنيا كلها عنها أساس الحضارة الحديثة0
ولذلك فإن الذين يمتنعون عن العمل هم مخالفون لمنهج الله00 و الذين يريدون أن يعيشوا على فتات المجتمع فى حقيقتهم يسيئون للمنهج و لا يطبقونه00 فمنهج الله يريد أمة قوية قادرة تسود الأرض00ولا يريد أمة من الضعاف الجياع الذين يسألون الصدقة و يعيشون مستضعفين فى الأرض 00 تلك هى الحقيقة التى لابد أن يعيها الجميع00وأجر الإنسان العامل هو أجر المجاهد00 مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم 00 فقد كان جالساً مع الصحابه ذات يوم , فنظروا إلى شاب ذى جلد وقوة وقد بكر يسعى , فقالوا ويح هذا لو كان شبابه و جلده فى سبيل الله 0 فقال صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا هذا 0 فإن كان يسعى على نفسه , ليكفها عن المسألة ويغنيها عن الناس , فهو فى سبيل الله , وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين , أو ذرية ضعاف , ليغنيهم و يكفيهم فهو فى سبيل الله0
إلى هنا و نأتى إلى ختام الفصل الأول00 وقد بينا فيه كيف أن الله سبحانه وتعالى برحمته قد وضع منهجاً فى الحياة الدنيا 00يذكرنا دائماً بقوته و عجزنا00ويذكرنا بفضله علينا فيما خلق لنا من النعم 00حتى لا تغرنا قوتنا , ونحسب أننا فى غنى عن الله سبحانه وتعالى 000وكيف أن الإنسان الذى خلقه الله مختاراً00لم يعط له الإختيار المطلق 00 و إنما أعطاه الإختيار فى المنهج الذى بينه ووضحه له 00حتى يكون الحساب عدلاً فى الآخرة00
وكيف أن الدنيا هى دار اختيار وأن الحياة الحقيقية التى أعدها الله للإنسان هى الحياة فى الجنة00حيث ينعم بلا حدود00وحيث يعيش حياة خالدة لا تنتهى أبداً00 ويعيش فى نعمة الله فلا تزول عنه بأن تذهب وتنتهى00 ولا يزول عنها بأن يموت00
وبينا أن اليقين بالآخرة هو أساس الإيمان 00وأن كل كافر بمنهج الله يحاول أن ينكر يوم الحساب00ويحاول أن ينكر أن هناك جزاء فى الآخرة 00لأنه يريد أن يعيش تبعاً لأهوائه وشهواته00وهذا يتنافى مع الحق الذى قامت عليه السموات و الأرض00و الذى هو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى 0 وبينا كيف أن منهج الله قد وضع لحماية الناس كل الناس00فهو يحمى الضعيف من القوى00ويحمى القوى من المجتمع00 ولو أن الله سبحانه وتعالى لم ينزل منهجاً للحياة فى الأرض لطلبنا نحن هذا المنهج00لأنه هو الوسيلة الوحيدة ليعيش الإنسان آمناً مطمئناً فى الأرض00وهو الطريق إلى الحياة الطيبة0
معنى الحياة
على أننا قبل أن نبدأ فى مشاهد الآخرة00وكيف سيشهد على الإنسان جلده وسمعه وبصره مصداقاً لقوله تعالى: قال تعالى: (حَتّىَ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتّمْ عَلَيْنَا قَالُوَاْ أَنطَقَنَا اللّهُ الّذِي أَنطَقَ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [سورة: فصلت – الآيتان :20 ــ 21] وقبل أن نتحدث عن كيف ان الحجارة ستحرق من عبدها 00 لابد أن نتحدث عن معنى الحياة00وهل الحياة فى الإنسان فقط00 أم فى الإنسان و الحيوان 00 أم أنها فى كل ما خلقه الله فى الدنيا حتى لو كنا لا نرى فيه أية حياة00 بمفهومنا نحن 00 ولكن كل شئ فى هذا الكون فيه حياة 00 و هذا هو موضوع الفصل القادم أن شاء الله0
من مكتبة الشيخ الشعراوى

جميع الحقوق محفوظة 2014 © المقاولون العرب | تصميم مركز معلومات الإدارة العليا

المتواجدون الأن 286 / 32