خواطر ايمانية

الإنصاف

·  كلمة "الإنصاف" مأخوذة من مادة "نصف" ؛ أي أنة إذا أنقسم الشئ إلي نصفين يكون كل نصف مساوياً للنصف الآخر , فإذا أنصفت غيرك أو أنتصفت لنفسك منه تكون قد أعتبرت غيرك مساوياً لك في  الحقوق والواجبات , فبذلك لا يجور أحد علي أحد أو يظلمه أويبخسه حقه.
·  ومن معاني "الإنصاف" :أنه إحساس تلقائي صادق بما هو عدل , يقضي بإعطاء كل ذي حق حقة , وقيل : "الإنصاف" هو إعطاء الحق من نفسك لغيرك.
·  ويقول إبن حزم الأندلسي (384 - 456هـ ):من آراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه  , فبذلك يظهر له وجه تعسفة .
·  بإختصار فإن "الإنصاف " هو أن تعطي ما عليك من حق لصاحبه عن طيب نفس , ورفع الظلم سواءً كان هذا الحق في المعاملة أو الرأي أو في الأقوال و الأفعال , وأن تنصف الناس من نفسك في حال الرضا والغضب , وأن يكون ذلك خلقك مع من تحب أو تكره سواءً بسواء .
·  حث الشارع الكريم علي " الإنصاف " وأمر المؤمن بإنصاف نفسه بإعطائها مالها من حق الصيانة والبعد بها عن الشرور والشهوات , وفي ذلك يقول الحق تعال :  }ونفس وما سواها *فألهمها فجورها وتقواها *قد أفلح من زكاها*وقد خاب من دساها { , وقوله تعالي : }وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقو بإيديكم في التهلكة و أحسنو إن الله يحب المحسنين { .
·  ويقول الرسول الكريم- صلي الله عليه وسلم – في الحث علي حفظ النفس وصيانتها : ( إن لنفسك عليك حق , ولبدنك عليك حقا , فأعط كل ذي حق حقه).
·  كما يحث الشارع الكريم علي صيانة العقل وحمايتة من أي فكر مشوش أو منحرف , ومن تعاطي أي شئ يؤثر فيه ويعطل ملكاته كالخمر والمخدرات بكل أشكالها وأنواعها , فهذا كله إنصاف للإنسان ووقاية لكل ما يحقق إنسانيه الإنسان من دين ونسب وعرض ومال .
إنصاف غير المسلمين :
·  جاء الإسلام بنظام تشريعي عادل لكل البشر مسلمين وغير مسلمين , لا سيما هؤلاء الذين يعيشون مع المسلمين في وطن واحد , إلا في أمور محدده مستثناه , كما أن عليهم ما علي المسلمين من الواجبات إلا ما أستثني بنص شرعي , وقد أكد واقع المسلمين علي رعاية هذه الحقوق وحمايتها .
·  وأول هذه الحقوق هو التمتع بحماية الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي من الإعتداء عليهم من قبل المسلمين أو غير المسلمين حتي يشعروا بالأمان والإستقرار ويكونو طاقة فاعلة مع المسلمين للنهوض بالوطن الواحد .
·  تعددت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة علي تحريم الظلم وبيان آثاره الوخمية في الدنيا والآخرة , ومنها أحاديث تحذر من ظلم غير المسلمين علي وجة الخصوص , فيقول- صلي الله عليه وسلم- : (من ظلم معاهدا أو إنتقصه حقاً أو كلفة فوق طاقتة , أو أخذ منه شيئاً من غير طيبة نفس منه فأنا خصيمه يوم القيامة ) , وفي عهده لأهل نجران : (لا يؤخذ رجل بذنب رجل) .
·  ومن الأدلة العملية علي إلتزام المسلمين بهذا المبدأ موقف شيخ الإسلام إبن تيميه حين تغلب التتار علي الشام ؛ ذهب الشيخ إلي قائد التتار ليكلمه في إطلاق سراح الأسري حيث وافق  القائد علي إطلاق صراح الأسري المسلمين فقط , ولكن الشيخ أبي أن يرجع بدون جميع الأسري من مسلمين ومسيحين ويهود , ولما رأي القائد إصرار الشيخ أطلقهم له جميعا .
·  وقصة أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه – مع القبطي الذي ضربه إبن والي مصر معروفة , حيث سجل التاريخ بحروف من نور قولته المشهورة : " متي إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم آحرارا ".
·  فالحرية إذن حق طبيعي مشروع لكل إنسان , والمسلمين لا يصادرون علي حق أحد في الحرية الدينية أو غيرها من الحريات , حتي لو كان مخالفاً لهم في الدين ؛ بل إن الحق المخالف في الدين يكون آكد من وجهة نظر الإسلام , لنفي مظنة إستضعافة وإجباره علي الإسلام , عملاً بقوله تعالي : ( ولا يجرمنكم شنئان قوم علي ألا تعدلوا , إعدلوا هو أقرب للتقوي ).
·  أجمع فقهاء الإسلام علي أن قتل المعاهد غير المسلم كبيرة من الكبائر المحرمة شرعا لقوله – صلي الله عليه وسلم -: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة , وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً) .
·  أما أموال غير المسلمين : فقد أجمع الفقهاء في جميع المذاهب علي وجوب حماية أموالهم ؛ فمن سرق معاهداً قطعت يده , ومن غصبه عزر , وبلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموال غير المسلمين أنه يحترم ما يعدونة مالاً ؛ كالخمر والخنزير , وإن لم يكن مالاً في شرع الإسلام .
·  ونلخص من هذا كله أن "الإنصاف " قيمة إسلامية عالية الشأن , وأن الإسلام قدم للبشرية نظاماً أخلاقياً سامياً , ولهذا إتسمت الحضارة الإسلامية بالكونية والعدالة والتسامح.
   م / محمد موسي